علي بن أحمد المهائمي
76
مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )
قال رضي اللّه عنه : ( يتعقل وحدة الحق ) « 1 » ، التي هي نسبة ذاتية باعتبار نفي الكثرة عنها بالذات ، والاعتبار لها في الذات المطلقة لصدقها مع الوحدة والكثرة ، وكذا وجوب وجوده ؛ لأنه نسبة إذ هو اقتضاء ذات الوجود باعتبار مغايرة اعتبارية على ما مرّ ، والاعتبار لها في المطلقة لصدقها على الممكنات ، وكذا مبدئيته ؛ لأنه نسبة بينه وبين ما أبداه ولا اعتبار لها في المطلقة في صدقها على ما أبداه أيضا ، لكن في التعين الأول ظهرت هذه النسب ، وقبل العلم لا يمكن تعقل شيء من ذلك ؛ إذ لو لم يعلم ذاته كيف يحكم بوحدته ، ولو لم يعلم وحدته كيف يحكم بوجوب وجوده لامتناع تعدد الواجب ؟ ولو لم يعلم وجوبه كيف يعلم كونه مبدأ الكثرة ، وكذا لو لم يعلم وجوبه كيف يعلم كونه منتهى الحوادث ومبدأها ، وعلى الخصوص يتوقف تعقل كل منها على النسبة العلمية الذاتية ، من حيث أن علمه نفسه في نفسه من غير زيادة عليه ، فيعلم وحدته ؛ إذ لولاه لم يتعقل الوحدة من كل وجه ، لأنه حينئذ يكون متعددا من ذات وصفه ، وكذا وجوب الوجود المتوقف
--> ( 1 ) قال الشيخ صدر الدين القونوي - رحمة اللّه عليه في « مفتاح الغيب » : الحق سبحانه وتعالى من حيث وحدة وجوده لم يصدر عنه إلا واحد ، لاستحالة إظهار الواحد ، وإيجاده من حيث كونه واحدا أو أكثر من واحد ، لكن ذلك الواحد ، عندنا هو الوجود العام المفاض على أعيان الممكنات كما تقدم ، فكيف يقال : إن الشيخ وأتباعه ، يقولون : إن الواجب هو الوجود العام ! فيلزم ألّا يكون الواجب من الموجودات الخارجية سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً [ النور : 16 - 17 ] . فإن قلت : كيف ذهب إلى أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد ، وهو من طامّات الفلاسفة ولا يقول به أهل السنة ؟ قلت : أهل السنة ما قالوا إن الواحد في جميع الوجود يصدر عنه أكثر من واحد ، وإنما ذهبوا إلى أن العالم صدر عن ذات متصفة بالحياة ، والعلم ، والقدرة ، والإرادة ، فما صدر عن واحد من جميع الوجوه ، وأما كون الواحد أعم من الواجب وغيره ، هل يصدر عنه أكثر من واحد أم لا ؟ فلا يصادم كلام أهل السنة على ما قدمنا لك من كلام الشيخ في « الفتوحات » ما إذا تأملته كفاك فتذكر . وأين كلام الشيخ صدر الدين من كلام الفلاسفة ؟ فإن الصادر الأول عندهم هو العقل الأول ، وعنده الوجود العام ، ومن كلامه في « مفتاح الغيب » أيضا : اعلم أن الحق هو الوجود المحض الذي لا اختلاف فيه ، وأنه واحد وهذه حقيقة لا يتعقل في مقابلة كثرة ، ولا يتوقف تحققها في نفسها ، ولا تصورها في العلم الصحيح المحقق على تصور ضد لها ، بل هي لنفسها ثابتة لا مثبتة ، وقولنا وحده للتنزيه والتهم لا للدلالة على مفهوم الوحدة على نحو ما هو متصور في الأذهان المحجوبة ، وقال فيه أيضا : الوجود في حق الحق عين ذاته ، وفيما عداه أمر زائد على حقيقته ، انتهى . نقلا عن أبي الفتح المكي « عين الحياة » ( ص 70 ) .